الشوكاني
396
فتح القدير
تجاوزونه إلى ما هو أعظم منه من التكذيب بالدين وهو الجزاء ، أو بدين الإسلام . قال ابن الأنباري : الوقف الجيد على الدين وعلى ركبك ، وعلى كلا قبيح ، والمعنى : بل تكذبون يا أهل مكة بالدين : أي بالحساب ، وبل لنفي شئ تقدم وتحقيق غيره ، وإنكار البعث قد كان معلوما عندهم وإن لم يجر له ذكر . قال الفراء : كلا ليس الأمر كما غررت به . قرأ الجمهور " تكذبون " بالفوقية على الخطاب . وقرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة بالتحتية على الغيبة ، وجملة ( وإن عليكم لحافظين ) في محل نصب على الحال من فاعل تكذبون : أي تكذبون والحال أن عليكم من يدفع تكذيبكم ، ويجوز أن تكون مستأنفة مسوقة لبيان ما يبطل تكذيبهم ، والحافظين الرقباء من الملائكة الذين يحفظون على العباد أعمالهم ويكتبونها في الصحف . ووصفهم سبحانه بأنهم كرام لديه يكتبون ما يأمرهم به من أعمال العباد ، وجملة ( يعلمون ما تفعلون ) في محل نصب على الحال من ضمير كاتبين ، أو على النعت ، أو مستأنفة . قال الرازي : والمعنى التعجيب من حالهم كأنه قال : إنكم تكذبون بيوم الدين ، وملائكة الله موكلون بكم يكتبون أعمالكم حتى تحاسبوا بها يوم القيامة ، ونظيره قوله تعالى - عن اليمين وعن الشمال قعيد . ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد - . ثم بين سبحانه حال الفريقين فقال ( إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ) والجملة مستأنفة لتقرير هذا المعنى الذي سيقت له ، وهي كقوله سبحانه - فريق في الجنة وفريق في السعير - وقوله - يصلونها يوم الدين - صفة لجحيم ، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من الضمير في متعلق الجار والمجرور ، أو مستأنفة جواب سؤال مقدر ، كأنه قيل ما حالهم ؟ فقيل ( يصلونها يوم الدين ) أي يوم الجزاء الذي كانوا يكذبون به ، ومعنى يصلونها : أنهم يلزمونها مقاسين لوهجها وحرها يومئذ . قرأ الجمهور " يصلونها " مخففا مبنيا للفاعل ، وقرئ بالتشديد مبنيا للمفعول ( وما هم عنها بغائبين ) أي لا يفارقونها أبدا ولا يغيبون عنها ، بل هم فيها ، وقيل المعنى : وما كانوا غائبين عنها قبل ذلك بالكلية بل كانوا يجدون حرها في قبورهم . ثم عظم سبحانه ذلك اليوم فقال ( وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين ) أي يوم الجزاء والحساب ، وكرره تعظيما لقدره وتفخيما لشأنه ، وتهويلا لأمره كما في قوله - القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة - و - الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة - والمعنى : أي شئ جعلك داريا ما يوم الدين . قال الكلبي : الخطاب لإنسان الكافر . ثم أخبر سبحانه عن اليوم فقال ( يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع " يوم " على أنه بدل من يوم الدين ، أو خبر مبتدإ محذوف . وقرأ أبو عمرو في رواية " يوم " بالتنوين ، والقطع عن الإضافة . وقرأ الباقون بفتحه على أنها فتحة إعراب بتقدير أعني أو أذكر ، فيكون مفعولا به ، أو على أنها فتحة بناء لإضافته إلى الجملة على رأي الكوفيين ، وهو في محل رفع على أنه خبر مبتدإ محذوف ، أو على أنه بدل من يوم الدين . قال الزجاج : يجوز أن يكون في موضع رفع إلا أنه مبني على الفتح لإضافته إلى قوله ( لا تملك ) وما أضيف إلى غير المتمكن فقد يبني على الفتح ، وإن كان في موضع رفع ، وهذا الذي ذكره إنما يجوز عند الخليل وسيبويه إذا كانت الإضافة إلى الفعل الماضي ، وأمما إلى الفعل المستقبل فلا يجوز عندهما ، وقد وافق الزجاج على ذلك أبو علي الفارسي والفراء وغيرهما ، والمعنى : أنها لا تملك نفس من النفوس لنفس أخرى شيئا من النفع أو الضر ( والأمر يومئذ لله ) وحده لا يملك شيئا من الأمر غيره كائنا ما كان . قال مقاتل : يعني لنفس كافرة شيئا من المنفعة . قال قتادة : ليس ثم أحد يقضي شيئا ، أو يصنع شيئا إلا الله رب العالمين ، والمعنى : أن الله لا يملك أحدا في ذلك اليوم شيئا من الأمور كما ملكهم في الدنيا ، ومثل هذا قوله - لمن الملك اليوم لله الواحد القهار - .